محمد بن جرير الطبري

600

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

يتواصون فيما بينهم ، ويقولون : تمسكوا فإنهم حفاه ، فإذا أصابهم البرد تقطعت اقدامهم مع ما يأكلون ويشربون ، فكانت الروم تراجع ، وقد سقطت اقدام بعضهم في خفافهم ، وان المسلمين في النعال ما أصيب إصبع أحد منهم ، حتى إذا انخنس الشتاء ، قام فيهم شيخ لهم يدعوهم إلى مصالحه المسلمين قالوا : كيف والملك في سلطانه وعزه ، ليس بيننا وبينهم شيء ! فتركهم ، وقام فيهم آخر فقال : ذهب الشتاء ، وانقطع الرجاء ، فما تنتظرون ؟ فقالوا : البرسام ، فإنما يسكن في الشتاء ويظهر في الصيف ، فقال : ان هؤلاء قوم يعانون ، ولان تاتوهم بعهد وميثاق ، خير من أن تؤخذوا عنوه ، اجيبونى محمودين قبل ان تجيبوني مذمومين ! فقالوا : شيخ خرف ، ولا علم له بالحرب . وعن أشياخ من غسان وبلقين ، قالوا : أثاب الله المسلمين على صبرهم أيام حمص ان زلزل باهل حمص ، وذلك ان المسلمين ناهدوهم ، فكبروا تكبيره زلزلت معها الروم في المدينة ، وتصدعت الحيطان ، ففزعوا إلى رؤسائهم وذوى رأيهم ، فقالوا : الا ترون إلى عذاب الله ! فاجابوهم : لا يطلب الصلح غيركم ، فأشرفوا فنادوا : الصلح الصلح ! ولا يشعر المسلمون بما حدث فيهم ، فاجابوهم وقبلوا منهم على انصاف دورهم ، وعلى أن يترك المسلمون أموال الروم وبنيانهم ، لا ينزلونه عليهم ، فتركوه لهم ، فصالح بعضهم على صلح دمشق على دينار وطعام ، على كل جريب ابدا ايسروا أو اعسروا وصالح بعضهم على قدر طاقته ، ان زاد ماله زيد عليه ، وان نقص نقص ، وكذلك كان صلح دمشق والأردن ، بعضهم على شيء ان ايسروا وان اعسروا ، وبعضهم على قدر طاقته ، وولوا معاملة ما جلا ملوكهم عنه . وبعث أبو عبيده السمط بن الأسود في بنى معاوية ، والأشعث بن مئناس في السكون ، معه ابن عابس ، والمقداد في بلى ، وبلالا وخالدا في الجيش ، والصباح